السوبرنوت:قصة أخطر عملية تزوير للدولار

جدول المحتويات
في ديسمبر من عام 1989، وبينما كانت الأجواء في مانيلا عاصمة الفلبين هادئة مع اقتراب نهاية العام، وقع حدث صغير في البنك المركزي الفلبيني كاد أن يتحول إلى أزمة اقتصادية دولية. موظف يعمل في عدّ أوراق نقدية من فئة 100 دولار أمريكي لاحظ شيئًا غير مألوف. الورقة التي يحملها بين يديه تبدو طبيعية تمامًا، لكنها تثير الريبة. تمر بجميع اختبارات كشف التزوير المعروفة، إلا أن هناك تفصيلًا دقيقًا لا يبعث على الطمأنينة.
تم إرسال الورقة النقدية إلى الولايات المتحدة لتحليلها، وهناك بدأت قصة واحدة من أعقد وأخطر عمليات تزييف العملات في التاريخ الحديث. عملية دُفنت فيها السياسة والاقتصاد والجاسوسية في ورقة نقدية واحدة: السوبر نوت.
بداية القصة: ورقة نقدية “غريبة” في مانيلا
وصلت الورقة النقدية إلى جهاز الخدمة السرية الأمريكي في واشنطن، الجهة المسؤولة عن حماية العملة الأمريكية من التزوير. بدأ المحققون بتحليلها باستخدام أدوات فحص دقيقة، من الضوء فوق البنفسجي إلى العدسات المكبرة، ومن تحليل الألياف إلى الميكروسكوبات المتخصصة.
كل شيء في الورقة بدا صحيحًا تقريبًا… لكن بعد فحص دقيق، وجد الخبراء فارقين ميكروسكوبيين:
- فراغ صغير على يمين الصورة البيضاوية التي تحتوي على وجه بنجامين فرانكلين، وهو غير موجود في النسخة الأصلية.
- خط سميك في قاعدة أحد أعمدة الإنارة في الوجه الخلفي، بينما يجب أن يكون رفيعًا وغير واضح.
ورغم ضآلة هذه الأخطاء، فإنها كانت المفتاح لكشف تزوير على مستوى لم يشهد له العالم مثيلًا من قبل.
ما الذي يجعل “السوبر نوت” مزيفة خارقة؟
كان من الواضح للمحققين أن هذه الورقة ليست نتاج عصابة تزوير هاوية أو محترف صغير، بل نتاج منظومة معقدة تستخدم تقنيات لا يمكن الوصول إليها إلا عبر حكومات.
فورقة “السوبر نوت” صُنعت باستخدام طابعة “إنتاليو” عالية الدقة – وهي نفس التقنية التي تستخدمها الحكومة الأمريكية لطباعة الدولارات الأصلية. هذه الطابعات الضخمة باهظة الثمن ولا تُباع لأفراد أو شركات خاصة. تقتصر ملكيتها على الدول فقط.
وهنا بدأ الشك يتحول إلى يقين: التزوير وراء “السوبر نوت” لم يكن من عمل مجرمين مستقلين، بل من تنفيذ دولة ذات موارد، تقنيات، وخبرة استخباراتية.
من يقف خلف التزوير؟ أصابع الاتهام نحو كوريا الشمالية
في البداية، تم توجيه الشبهات نحو إيران، خاصة أنها كانت تملك طابعات إنتاليو تعود إلى عهد الشاه. لكن لم توجد أدلة ملموسة. ثم وُجهت الشكوك إلى سوريا ولبنان، ولكن دون نتائج حاسمة.
ومع تتبع الحالات المشابهة وتحليل طرق التوزيع، بدأ اسم كوريا الشمالية يظهر مرارًا. فالعديد من الحالات التي تم ضبط فيها “السوبر نوت” كانت مرتبطة بأفراد يحملون جوازات دبلوماسية كورية شمالية، أو لهم صلة بأجهزة استخباراتية من بيونغ يانغ.
هذا الاكتشاف فتح الباب لكشف شبكة أكبر بكثير مما كان يتخيله أحد.
مكتب 39: الدولة داخل الدولة
كوريا الشمالية لا تشبه أي نظام سياسي آخر. ومن داخل هذا النظام، تم إنشاء ما يُعرف بـ “المكتب 39”، وهو وحدة سرية مسؤولة عن إدارة الاقتصاد الموازي للنظام.
تأسس المكتب عام 1972، ويُعتقد أنه يعمل مباشرة تحت إشراف الزعيم الكوري الشمالي. وظيفته الأساسية هي توفير العملة الصعبة للنظام، بأي وسيلة ممكنة: تهريب المخدرات، الأسلحة، السجائر المزيفة، والعملة المزيفة.
حسب شهادات منشقين كوريين شماليين، فإن المكتب هو من خطط وأدار مشروع “السوبر نوت”، وقام بتدريب فنيين على تشغيل طابعات سويسرية متقدمة، تمامًا مثل تلك المستخدمة في وزارة الخزانة الأمريكية.
دبلوماسيون يتحولون إلى مهربين
واحدة من أكثر جوانب هذه العملية غرابة هو طريقة توزيع “السوبر نوت”. الورقة المزيفة كانت تُنقل من كوريا الشمالية إلى أنحاء العالم عبر حقائب دبلوماسية، لا يمكن تفتيشها قانونيًا وفقًا للاتفاقيات الدولية.
تم ضبط دبلوماسيين كوريين شماليين في هونغ كونغ وكمبوديا ومنغوليا وروسيا، ومعهم مئات الآلاف من الدولارات المزيفة. إحدى القضايا البارزة كانت في عام 1996، حين اعتُقل يوشيمي تاناكا – وهو ياباني منشق يعيش في كوريا الشمالية – يحمل جوازًا دبلوماسيًا كوريًا شماليًا و200 ألف دولار مزيفة.
ولم يكن هؤلاء مجرد ناقلين، بل كانوا مكلفين رسميًا بتحويل تلك الأوراق إلى دولارات حقيقية، عبر شبكات تهريب وبيع معقدة.
لتحدي التكنولوجي: سباق بين المزورين والحكومة الأمريكية
لم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي. ففي عام 1996، أصدرت نسخة جديدة من ورقة المئة دولار تُعرف باسم “الرأس الكبير” تحتوي على ميزات أمنية جديدة كالحبر المتغير اللون، الخيط الأمني، والطباعة المجهرية.
لكن كوريا الشمالية كانت مستعدة. حصلت على حبر مشابه من نفس الشركة السويسرية المصنعة للحبر الأمريكي، وظهرت نسخة جديدة من “السوبر نوت” عام 1998 في لندن، ثم توالت النسخ في الأعوام التالية بأسماء مثل C-21555 وC-22500.
كلما حدث تحديث أمني، ظهرت نسخة جديدة أكثر تطورًا من الورقة المزيفة. وكأن الأمر لعبة شطرنج بين دولتين.
توسع التوزيع عبر العالم وعصابات التهريب
مع تعقيد العمليات، تطور أسلوب التوزيع. لم يعد يقتصر على الدبلوماسيين، بل شمل عصابات تهريب وشركات وهمية.
من أبرز الأمثلة قضية شون غارلاند، زعيم إحدى الفصائل الماركسية من الجيش الجمهوري الإيرلندي، والذي أنشأ شبكة تهريب بين كوريا الشمالية وروسيا وأوروبا. حسب السلطات الأمريكية، كان يحصل على السوبر نوت من السفارة الكورية الشمالية في موسكو، ويوزعها عبر شبكة تضم عناصر من المخابرات الروسية وعصابات دولية.
رد الولايات المتحدة: عمليات استخباراتية وعقوبات مالية
الرد الأمريكي كان ثلاثي الأبعاد:
- عمليات استخباراتية مثل Royal Charm وSmoking Dragon، حيث تم استدراج المهربين إلى حفلات زفاف وهمية في نيوجيرسي، وتم اعتقالهم عند وصولهم.
- ضغوط على البنوك الدولية، خاصة في ماكاو، التي كانت مركزًا لغسل الأموال الكورية الشمالية. تم فرض عقوبات على بنك “بانكو دلتا آسيا”، مما أدى إلى تجميد أموال كورية شمالية حساسة.
- إصدار ورقة جديدة عام 2013 بتقنيات أمنية متقدمة جدًا، مثل الشريط ثلاثي الأبعاد والنقوش الدقيقة، ما جعل من تزييفها مهمة شبه مستحيلة.
هل انتهت “السوبر نوت” فعلاً؟
منذ عام 2008، لم تظهر نسخ جديدة من “السوبر نوت”. ويبدو أن العملية توقفت، إما بسبب التكاليف العالية أو المخاطر السياسية أو تطور الأمن الأمريكي.
لكن بعض الخبراء يحذرون من احتمال آخر:
“ربما لم يتوقفوا… ربما أصبحوا أفضل لدرجة أننا لم نعد نميز النسخ المزيفة.”
كوريا الشمالية والتحول إلى الجرائم السيبرانية
مع تعقد التزوير المادي، وجدت كوريا الشمالية في الإنترنت ساحة أكثر ربحًا. ففي عام 2016، تم اختراق البنك المركزي البنغلاديشي وسُرقت 951 مليون دولار. وفي 2022، سرقت مجموعة كورية شمالية 620 مليون دولار من لعبة Axie Infinity عبر ثغرات في العملات الرقمية.
التحول واضح: من الورق إلى الشيفرة، من الطابعة إلى لوحة المفاتيح.
خلاصة: عندما تصبح الدولة أكبر مزور
قصة “السوبر نوت” ليست مجرد عملية تزوير، بل فصل مظلم في الحرب الاقتصادية الحديثة. إنها مثال على كيف يمكن لدولة معزولة أن تُزعزع النظام المالي العالمي بأدوات الطباعة والحبر، قبل أن تنتقل إلى البرمجيات والتشفير.
إنها قصة عن التحدي، والمطاردة، والتحول… لكنها أيضًا تذكرة بأن الحروب في القرن الحادي والعشرين ليست دائمًا بالدبابات، بل أحيانًا بورقة نقدية، أو شفرة خبيثة في بريد إلكتروني.
روابط
https://www.bbc.com/arabic/world-43712345
https://blog.fraudfighter.com/the-north-korean-supernote-problem



