توجيهات حنيبعل: كيف يحدث أن تضحي إسرائيل بمواطنيها

جدول المحتويات
كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في تقرير صادم نُشر في يوليو 2024 عن تطبيق توجيهات حنيبعل على نطاق واسع خلال أحداث 7 أكتوبر 2023، مما أدى إلى مقتل عدد من الإسرائيليين على يد قواتهم العسكرية. تعتبر توجيهات حنيبعل من أكثر السياسات العسكرية إثارة للجدل في تاريخ الجيش الإسرائيلي، حيث تسمح باستخدام القوة المميتة لمنع أسر الجنود حتى لو أدى ذلك إلى قتلهم. هذا المقال يستعرض بالتفصيل ما حدث في ذلك اليوم المشؤوم، استناداً إلى وثائق رسمية وشهادات جنود إسرائيليين.
ما هي توجيهات حنيبعل؟
توجيهات حنيبعل هي بروتوكول عسكري إسرائيلي تم وضعه عام 1986 بهدف منع اختطاف الجنود الإسرائيليين من قبل الفصائل الفلسطينية أو اللبنانية. تقضي هذه التوجيهات باستخدام القوة القصوى، بما في ذلك النيران الكثيفة والقصف الجوي، لإفشال عمليات الأسر، حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة بحياة الجندي المحتجز نفسه.
جاءت توجيهات حنيبعل كرد فعل على سلسلة من عمليات تبادل الأسرى التي اعتبرتها القيادة الإسرائيلية مذلة، حيث كانت إسرائيل تضطر لإطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين مقابل جندي واحد. الفلسفة وراء توجيهات حنيبعل بسيطة ووحشية: الموت أفضل من الأسر.
على الرغم من إعلان الجيش الإسرائيلي عن إلغاء توجيهات حنيبعل رسمياً في عام 2016، فإن أحداث 7 أكتوبر 2023 تثبت أن هذه السياسة لا تزال معمولاً بها في الميدان.
الكشف الصحفي: ما أظهره تقرير هآرتس
نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تحقيقاً استقصائياً شاملاً بعنوان “الجيش الإسرائيلي أصدر أمر توجيهات حنيبعل في 7 أكتوبر لمنع حماس من أسر الجنود”. استند التقرير إلى وثائق رسمية حصلت عليها الصحيفة، بالإضافة إلى شهادات من جنود وضباط في الصفوف الوسطى والعليا للجيش الإسرائيلي.
الأوامر المباشرة
في الساعة 11:22 صباحاً يوم 7 أكتوبر، تم بث رسالة واضحة عبر شبكة اتصالات فرقة غزة: “لا يمكن لأي مركبة أن تعود إلى غزة”. هذه الجملة البسيطة تحمل معنى قاتلاً: تدمير جميع المركبات التي تحاول العودة إلى غزة، بغض النظر عمن بداخلها.
لكن هذا لم يكن الأمر الأول. في الساعة 7:18 صباحاً، عندما أبلغ مركز مراقبة في نقطة يفا عن اختطاف شخص عند معبر إيريز، جاء الأمر من المقر الرئيسي للفرقة: “حنيبعل في إيريز”.
وفي الساعة 7:40 صباحاً، تكرر الأمر: “حنيبعل في إيريز، الهجوم على المعبر والقاعدة حتى لا يتم أخذ المزيد من الجنود”.
نطاق التطبيق
كشف التحقيق أن توجيهات حنيبعل تم تطبيقها في عدة مواقع على طول الحدود مع غزة:
- معبر إيريز: حيث تم استخدام طائرات مسيرة هجومية (Zik) وقصف مكثف
- قاعدة راعيم: المقر الرئيسي لفرقة غزة
- موقع نهاريم: قاعدة عسكرية تعرضت للهجوم
في كل هذه المواقع، أُمرت القوات الإسرائيلية بإطلاق نيران كثيفة دون تمييز لمنع نقل أي محتجزين إلى غزة.
الشهادات الصادمة
شهادة ضابط دفاعي
يقول مسؤول دفاعي كان على دراية بعمليات 7 أكتوبر في فرقة غزة: “في ساعات الصباح، لم يكن أحد يعرف ما يحدث بالخارج. كان روزنفيلد [قائد الفرقة] في غرفة الحرب ولم يخرج، بينما كانت حرب عالمية تدور بالخارج. كان الجميع مصدومين من عدد المقاتلين الذين اخترقوا القاعدة. حتى في كوابيسنا لم تكن لدينا خطط لمثل هذا الهجوم. لم يكن لدى أحد فكرة عن عدد المختطفين أو مكان القوات العسكرية. كانت هناك هستيريا جنونية مع اتخاذ قرارات دون أي معلومات موثقة.”
شهادة طيار مروحية
كشفت التحقيقات أن طياري المروحيات الإسرائيلية تلقوا أوامر بإطلاق جميع ذخائرهم. تقول شهادة أحد الطيارين: “تم إفراغ كل شيء – المدافع والصواريخ. لقد أمرنا بتفريغ كل ما لدينا.”
لقطات الفيديو التي التقطتها طائرات مسيرة وكاميرات المروحيات تُظهر الدبابات الإسرائيلية وهي تطلق النار على منازل المستوطنين الإسرائيليين، والمروحيات تقصف المركبات التي تحاول العودة إلى غزة دون تمييز بين ركابها.
التكلفة البشرية
لا تعرف هآرتس بالضبط كم عدد الإسرائيليين – مدنيين وجنوداً – الذين قُتلوا نتيجة توجيهات حنيبعل، لكن التقرير يشير إلى أن “البيانات التراكمية تدل على أن العديد من المختطفين كانوا في خطر، معرضين للنيران الإسرائيلية حتى لو لم يكونوا الهدف”.
لكن السؤال المنطقي هنا: كيف لا يكونون هم الهدف إذا كانت توجيهات حنيبعل تقضي بقتلهم لمنع أسرهم؟
حادثة قاعدة راعيم
في قاعدة راعيم، المقر الرئيسي لفرقة غزة، تم تطبيق توجيهات حنيبعل بشكل مكثف. عندما اخترقت مجموعات من المقاومة الفلسطينية القاعدة، أصدر القادة أوامر بقصف القاعدة نفسها، مما أدى لمقتل جنود إسرائيليين ومقاتلين فلسطينيين على حد سواء.
مهرجان نوفا الموسيقي
شهد مهرجان نوفا الموسيقي القريب من غلاف غزة أحد أكثر المشاهد دموية. عندما حاولت مركبات نقل رواد المهرجان المختطفين إلى غزة، تم قصفها من قبل المروحيات الإسرائيلية. لقطات الفيديو تُظهر تدمير المركبات دون أي محاولة للتحقق من هوية ركابها.
الأبعاد القانونية والأخلاقية
انتهاك القانون الدولي
تنتهك توجيهات حنيبعل عدة مبادئ أساسية في القانون الدولي الإنساني:
- الحق في الحياة: القتل العمدي للمدنيين أو الجنود لمنع أسرهم ينتهك الحق الأساسي في الحياة
- مبدأ التمييز: عدم التمييز بين المقاتلين والمدنيين عند إطلاق النار
- مبدأ التناسب: استخدام القوة المفرطة بما لا يتناسب مع الهدف العسكري
الموقف الأخلاقي
من الناحية الأخلاقية، تطرح توجيهات حنيبعل أسئلة صعبة:
- هل يحق لدولة التضحية بمواطنيها لتحقيق أهداف عسكرية؟
- ما قيمة الحياة الإنسانية في الحسابات العسكرية؟
- كيف يمكن لجيش يدّعي أنه “الأكثر أخلاقية في العالم” أن يطبق مثل هذه السياسة؟
لماذا تم إخفاء الحقيقة؟
الدعاية الإسرائيلية
استغلت إسرائيل أحداث 7 أكتوبر لشن حملة دعائية ضخمة روّجت لروايات عن:
- الاغتصاب الجماعي (لم يتم إثباته)
- حرق الأطفال الأحياء (لم يتم إثباته)
- قتل الحوامل (لم يتم إثباته)
كل هذه الادعاءات استُخدمت لتبرير العدوان على غزة الذي أدى لمقتل أكثر من 40,000 فلسطيني (وقت كتابة المقال الأصلي).
توقيت النشر
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا انتظرت هآرتس حتى يوليو 2024 لنشر هذا التحقيق؟ لماذا لم تنشره في أكتوبر 2023 عندما كانت الدعاية في أوجها؟
الإجابة واضحة: كان الكشف عن الحقيقة في وقت مبكر سيعرقل الحملة العسكرية على غزة ويقوّض الرواية الرسمية.
الأهداف العسكرية vs الأهداف المدنية
ما كشفه التقرير
من المفارقات أن تقرير هآرتس نفسه، رغم محاولته تبرير توجيهات حنيبعل، يكشف أن جميع الأهداف التي استهدفتها المقاومة الفلسطينية كانت أهدافاً عسكرية:
- معبر إيريز – نقطة تفتيش عسكرية
- قاعدة راعيم – مقر فرقة غزة
- مكتب الاتصال التابع لـ IDF
- نقاط المراقبة العسكرية
- مواقع الجنود
هذا يتناقض تماماً مع الرواية الإسرائيلية التي تصوّر الهجوم على أنه استهداف عشوائي للمدنيين.
الدروس المستفادة
عدم الثقة في الروايات الرسمية
أحداث 7 أكتوبر تُعلّمنا أهمية التشكيك في الروايات الرسمية، خاصة في أوقات الحروب. الحكومات تستخدم الدعاية لتبرير أعمالها العدوانية.
أهمية الصحافة الاستقصائية
رغم تأخر النشر، يُظهر تقرير هآرتس أهمية الصحافة الاستقصائية المستقلة في كشف الحقائق.
المعايير المزدوجة
عندما تقتل إسرائيل مواطنيها بـتوجيهات حنيبعل، يُعتبر ذلك “إجراءً أمنياً”. لكن عندما تستهدف المقاومة الفلسطينية أهدافاً عسكرية مشروعة، يُوصف بـ”الإرهاب”.
الخاتمة
توجيهات حنيبعل ليست مجرد بروتوكول عسكري، بل هي انعكاس لعقلية استعمارية تقيّم حياة الإنسان بناءً على حسابات سياسية. ما حدث في 7 أكتوبر 2023 يكشف عن الوجه الحقيقي للجيش الإسرائيلي الذي يدّعي الأخلاقية.
الحقيقة التي كشفها تقرير هآرتس صادمة: إسرائيل قتلت مواطنيها لمنع أسرهم، بينما كانت تروّج لروايات كاذبة عن الفظائع لتبرير إبادة جماعية في غزة.
توجيهات حنيبعل تذكّرنا بأن الحقيقة دائماً ما تخرج للنور، حتى لو بعد حين. وتذكّرنا أيضاً بضرورة التدقيق في الروايات الرسمية والبحث عن الحقيقة بأنفسنا.



