الحرب في السودان: كيف حوّل البرهان وحميدتي ثورة الشعب إلى كارثة إنسانية؟

Table of Contents
والانقلابات والإبادات والثورات المكسورة. في أبريل 2023، اندلع القتال في الخرطوم بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ليتحوّل ما كان صراعاً بين جنرالَين إلى كارثة تُهدد بمحو السودان كما عرفناه. أكثر من 14 مليون نازح، عشرات الآلاف من القتلى، ومجازر في دارفور تُذكّر العالم بأسوأ فصول القرن الماضي. لكن لفهم هذه الحرب حقاً، علينا أن نبدأ من البداية الحقيقية.
جذور الأزمة: حدود رُسمت في الأذهان قبل الخرائط
قبل أن يرفع السودان علمه عام 1956، كانت بريطانيا قد زرعت في جسده بذور الانقسام. تحت الحكم الأنجلو-مصري، أدارت لندن الشمال والجنوب بنظامَين منفصلَين بالكامل: في الخرطوم، نمت مدينة عربية مسلمة تتحدث العربية وتتطلع إلى القاهرة. في الجنوب الاستوائي، وصلت مناهج إنجليزية وكتب دينية مع عدد ضئيل جداً من المعلمين والأطباء.
حين جاء الاستقلال عام 1956، استلم الشماليون الدولة الجديدة: من أصل 800 وظيفة حكومية رفيعة، لم يحصل الجنوبيون إلا على ستة منها فحسب. كانت الرسالة صريحة: الوحدة تعني الهيمنة الشمالية.
في أغسطس 1955، قبل الاستقلال بأشهر، أعلن فوج إكواتوريا العسكري تمرده في مدينة توريت. كانت تلك شرارة الحرب الأهلية الأولى التي استمرت حتى عام 1972، وأودت بحياة ما يزيد على نصف مليون إنسان، معظمهم من المدنيين.
الحرب الأهلية الأولى والثانية: سبعون عاماً من نفس الجرح
السلام المكسور (1972–1983)
أسدل اتفاق أديس أبابا عام 1972 الستار على 17 عاماً من الحرب، ومنح الجنوب حكماً ذاتياً تاريخياً. عاد اللاجئون، فُتحت الأسواق، ونامت الأطفال دون أن تُفزعها طلقات الرصاص.
لكن السلام كان واهناً. الرئيس جعفر النميري، الذي وقّع الاتفاق، بدأ يتحوّل تدريجياً نحو الإسلام السياسي تحت ضغط الإخوان المسلمين. واكتُشف النفط في المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب، فأعاد النميري رسم الحدود الإدارية لوضع حقول النفط تحت السيطرة الشمالية. وفي 1983، أعلن تطبيق الشريعة الإسلامية على كل السودان بما فيه الجنوب المسيحي والوثني، فاندلعت الحرب الثانية.
جون قرنق ورؤية السودان الجديد
قاد الحرب الثانية العقيد جون قرنق دي مبيور، ضابط دينكاوي درس الاقتصاد في أمريكا. لم يكن يطالب بالانفصال، بل بإعادة بناء السودان كله على أسس علمانية فيدرالية — “السودان الجديد”. أسّس الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLA/SPLM) وقاتل لعقدَين. غير أن الحرب، كما دائماً، ابتلعت الأيديولوجيا وأبقت على الدم.
جاء البشير عام 1989 ليتحوّل الصراع إلى “جهاد” معلن، مع تصاعد فظائع لم يسبق لها مثيل. انتهت الحرب الثانية رسمياً باتفاقية السلام الشامل عام 2005، وباستقلال جنوب السودان في 9 يوليو 2011 بعد أن صوّت 98.8% من سكانه للانفصال. كان ذلك نهاية أطول حرب أهلية في تاريخ أفريقيا.
البشير واستراتيجية “تأمين السلطة ضد الانقلاب”
السودان بلد الانقلابات بامتياز. منذ الاستقلال، أطاح عسكريون بحكومات متعاقبة: 1958، 1969، 1985، 1989. أدرك عمر البشير هذه القاعدة جيداً، فطوّر استراتيجية دقيقة للبقاء تقوم على تعدد الحُماة وتوازن القوى:
- القوات المسلحة السودانية: أطعمها من صناعات الأسلحة والاتصالات وأبقاها منشغلة بحرب الجنوب.
- جهاز الأمن والاستخبارات: رقيب على الجميع.
- الجنجاويد ثم قوات الدعم السريع: الذراع الأكثر طاعة وخارج السيطرة المؤسسية.
كل قوة تراقب الأخرى، وكلها تُبقي البشير على كرسي السلطة.
دارفور: الجريمة التي لا تنتهي
في 2003، وقبل عقدَين من الحرب في السودان الراهنة، بينما الجيش منشغل في الجنوب، انتفضت جماعات متمردة في دارفور محتجّةً على التهميش التاريخي للمنطقة. بدلاً من إرسال الجيش النظامي، فضّل البشير توظيف الميليشيات العربية المحلية المعروفة بـالجنجاويد، وأطلق يدها بلا قيود.
النتيجة كانت كارثة: دمار أكثر من 3000 قرية، وجرائم قتل جماعي واغتصاب ممنهج وتهجير قسري بحق المجتمعات غير العربية. وصف المدّعون الدوليون ما جرى بـالإبادة الجماعية، وصدر بحق البشير مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية عام 2009 — وهو أول رئيس دولة في منصبه يُواجه هذا المصير.
من بين قادة الجنجاويد، أعجب البشير بـمحمد حمدان دقلو (حميدتي). أطلق عليه لقب “حمايتي” (بمعنى “حمايتي الشخصية”)، وجعله رأس حربته في دارفور وحارسه الأول.
في 2013، منح البشير الجنجاويد شرعية رسمية تحت اسم قوات الدعم السريع (RSF)، ووضعها عام 2017 تحت قيادته المباشرة. ولضمان ولاء حميدتي، منحه:
- السيطرة على مناجم الذهب في دارفور
- حق تصدير الأسلحة والمعادن عبر تشاد وليبيا
- إرسال مقاتلين مرتزقة إلى اليمن وليبيا مقابل عائدات مالية ضخمة
كان حميدتي يبني إمبراطورية مالية موازية، بعيداً عن أي رقابة مؤسسية.
ثورة 2018–2019: الشعب يقول “تسقط بس”
في ديسمبر 2018، ارتفع سعر الخبز في مدينة عطبرة بين عشية وضحاها. خرج الطلاب يهتفون “تسقط بس”، فانضم إليهم المعلمون والأطباء والأمهات والتجار. كانت الحكومة تُخصّص 60-70% من ميزانيتها للجهاز الأمني بينما يعاني المواطن من الجوع والتضخم وانهيار الخدمات.
الحرب في السودان ضد الشعب بدأت قبل 2023 بسنوات: قمعت قوات الدعم السريع والجيش معاً الاحتجاجات بالرصاص الحي. لكن المحتجين لم يتراجعوا.
في 11 أبريل 2019، نفّذ قادة الجيش بالتنسيق مع حميدتي انقلاباً على البشير وأودعوه السجن. احتفل الناس، لكنهم لم يثقوا بمن صنع الانقلاب — فكلا الرجلَين متورطان في دماء دارفور.
مجزرة 3 يونيو 2019
حين تصاعدت مطالب المحتجين بحكومة مدنية حقيقية، أحاطت قوات الدعم السريع باعتصام القيادة العامة في الخرطوم فجراً وفتحت النار. قُتل أكثر من 100 شخص، وأُلقيت جثث في النيل لإخفاء الأدلة. ارتُكبت جرائم اغتصاب علنية. كشفت المجزرة أن النظام لم يسقط — بل غيّر زيّه العسكري فحسب.
المرحلة الانتقالية: وعود بالديمقراطية وخيانة منهجية
تحت ضغط دولي مكثّف من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإثيوبيا والاتحاد الأفريقي، أُبرم اتفاق لتقاسم السلطة: مجلس سيادي انتقالي تترأسه كتلة عسكرية بقيادة البرهان ونيابة حميدتي، مع رئيس وزراء مدني هو الاقتصادي عبدالله حمدوك.
للوهلة الأولى بدا المشهد واعداً: استعادت السودان علاقاتها مع الغرب، بدأت إجراءات للمحاسبة على جرائم الماضي، وانفتح أفق اقتصادي جديد. لكن الجيش والإسلاميين والنافذين القدامى عملوا في الظلام لتقويض المسار.
في أكتوبر 2021، نفّذ البرهان انقلاباً على الاتفاق، اعتُقل الوزراء المدنيون، وأُعلنت حالة الطوارئ. أعيد حمدوك للمنصب تحت الضغط الدولي ثم استقال في يناير 2022 معترفاً باستحالة العمل. عادت السودان إلى المربع الأول: البرهان حاكماً فعلياً وحميدتي نائبه.
الخلاف المصيري: دمج القوات والطريق إلى الحرب
في ديسمبر 2022، وقّع الطرفان على اتفاق جديد برعاية أمريكية وإماراتية وسعودية وبريطانية، يتضمن تشكيل حكومة مدنية في أبريل 2023. لكن بنداً واحداً فجّر كل شيء: دمج قوات الدعم السريع في الجيش.
- البرهان أراد إتمام الدمج خلال عامَين
- حميدتي اشترط عشر سنوات
لم يكن هذا خلافاً تقنياً. كان حميدتي يمتلك وقتها جيشاً موازياً من عشرات الآلاف، وإمبراطورية مالية مبنية على الذهب والمرتزقة، وعلاقات دولية راسخة في الخليج وأفريقيا وأوروبا. الاندماج كان يعني نهاية سلطته. كلا الرجلَين بدآ يشتبهان في أن الآخر يُخطّط لانقلاب. بدآ تحريك قواتهما. الشوارع أخذت ذلك الصمت الخاص الذي يسبق دائماً اندلاع الحرب.
أبريل 2023: اندلاع الحرب في السودان
في 15 أبريل 2023، انكسر الصمت. مقاتلات تحلّق فوق الخرطوم، انفجارات تدوّي في المطار، دخان يتصاعد من الأحياء السكنية. الحرب في السودان اندلعت رسمياً بين جيشَين كانا — حتى الأمس — يدَاً واحدة.
خريطة القوى العسكرية
القوات المسلحة السودانية (SAF) بقيادة البرهان:
- تسيطر على الشرق والشمال والوسط
- تمتلك سلاح الجو الذي خلّف آلاف الضحايا المدنيين
- تتلقى دعماً من مصر وتركيا وإيران
قوات الدعم السريع (RSF) بقيادة حميدتي:
- تسيطر على معظم الغرب وكامل دارفور تقريباً
- تمتلك موارد مالية ضخمة من الذهب المُهرَّب
- تتلقى دعماً سياسياً وعسكرياً من الإمارات العربية المتحدة رغم نفيها الرسمي
تُفيد تقارير منظمة العفو الدولية بأن أسلحة من روسيا وصربيا والصين ودول عديدة تتدفق على الطرفَين، في انتهاك صريح لحظر الأسلحة الأممي المفروض على دارفور منذ 2004.
الذهب يلعب دوراً محورياً: كلا الجانبَين يستخدمان تجارة الذهب السودانية الضخمة لتمويل شراء الأسلحة والإمدادات.
دارفور 2023–2025: الإبادة تتجدد
الحرب في السودان أكثر ما تكون فتكاً في دارفور. قوات الدعم السريع — أحفاد الجنجاويد — تعود إلى المناطق ذاتها التي ارتكبت فيها مجازرها قبل عقدَين. أحد المحللين وصف ذلك بجملة مُحكمة: “إنهم يُكملون الإبادة التي بدأوها في مطلع الألفية.”
الأرقام مروّعة:
- مجزرة الفاشر استمرت 18 شهراً من الحصار المتعمد
- عند سقوط المدينة في أواخر أكتوبر 2025، نُفّذت عمليات إعدام ميداني أمام العائلات
- اقتحام المستشفى الرئيسي في الفاشر وقتل أكثر من 460 مريضاً وموظفاً
- مئات المقابر الجماعية رصدتها صور الأقمار الاصطناعية
- نشر مقاتلو RSF مقاطع مصوّرة لعمليات قتل على الإنترنت
وصفت الأمم المتحدة ما يجري بأنه “أكثر حملات التطهير العرقي منهجيةً في التاريخ السوداني الحديث”. وأعلنت الولايات المتحدة رسمياً أن أعمال RSF في دارفور منذ 2023 ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
الكارثة الإنسانية: أضخم أزمة نزوح في العالم
وفق أحدث الأرقام المتاحة بنوفمبر 2025:
- +14 مليون نازح — أكبر أزمة نزوح في العالم
- مئات الآلاف عبروا إلى تشاد وجنوب السودان ومصر في ظروف مأساوية
- إعلان حالة مجاعة في كردفان، حيث تغلي الأمهات الأوراق لإطعام أطفالهن
- انهيار المنظومة الصحية في معظم المدن
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر حذّرت: “التاريخ يُعيد نفسه”
الخرطوم نفسها أصبحت مدينة أشباح: بنوكها فارغة، وزاراتها مقصوفة، وجسورها مُهدّمة، وسكانها مُشتّتون.
الحرب في السودان ووقودها الدولي: بالوكالة فوق جثة الشعب
مجموعة الرباعي (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، الإمارات) تقود الجهود الدبلوماسية، لكن كل محاولة لوقف إطلاق النار لم تصمد أكثر من ساعات. كل طرف يتهم الآخر بانتهاك الهدنة، وكلاهما يرتكب ما يتهم به خصمه.
أُسّست حكومتان متنافستان: حكومة SAF في بورتسودان، وحكومة RSF في نالا — لا إحداهما تمتلك شرعية كاملة. بعض المحللين باتوا يتحدثون جدياً عن احتمال تقسيم السودان تقسيماً دائماً، على غرار انفصال الجنوب عام 2011.
الحرب في السودان: من اغتال الثورة؟
السؤال الذي يطرحه كل سوداني: كيف تحوّلت ثورة شعبية نادرة إلى هذه الجحيم؟
الجواب المرير أن الثورة واجهت عدوَّين يمتلكان السلاح والمال والنفوذ الدولي، ولم يريدا يوماً تسليم السلطة. البرهان وحميدتي لم يكونا حلفاءَ الثورة — كانا أدواتَ النظام ذاته الذي ثار ضده الشعب. لم يُسقطا البشير إيماناً بالديمقراطية، بل لأن بقاءه لم يعد مفيداً لهما.
ما يجري في السودان ليس حرباً أهلية بالمعنى التقليدي. إنه ما يصفه بعض الباحثين بـ**”الحرب الثورة المضادة”**: حرب عقاب للمدنيين الذين تجرّأوا على المطالبة بحقهم في تقرير مصيرهم.
خاتمة: هل كان السودان موحداً يوماً ما؟
سبعون عاماً مرّت منذ تمرد توريت الأول في 1955، ومنذ أن أطلقت تلك البنادق أولى رصاصاتها في جسد الدولة الوليدة. من الحرب الأهلية الأولى إلى الثانية، من دارفور إلى ثورة 2019، من انقلاب 2021 إلى الحرب في السودان المشتعلة اليوم — يقرأ المرء هذا التاريخ كصدى واحد متكرر من الخيانة: استقلال بلا وحدة، سلام بلا عدالة، ثورة بلا خلاص.
المأساة الكبرى أن أبطال هذه القصة الحقيقيين ليسوا البرهان ولا حميدتي. إنهم المدنيون الذين خرجوا عام 2018 يحلمون بغدٍ أفضل، والذين ما زالوا يدفعون ثمن حلمهم دماً ونزوحاً وجوعاً. وسط الركام، لا تزال معلمة تكتب دروسها على لوح مكسور في مخيم للاجئين، ولا يزال طبيب يُعقّم الضمادات بماء المطر المغلي، ولا تزال أم تهمس لطفلها أن السلام سيأتي.
تلك اللحظات الصغيرة الهشة المتمردة — هي كل ما تبقّى من حضارة السودان في وجه العاصفة.



