إبادة البيسون الأمريكي: كيف حولت الحكومة الأمريكية الجريمة إلى بطولة

جدول المحتويات
إبادة البيسون الأمريكي تمثل واحدة من أكثر الفصول قتامة في التاريخ الأمريكي، حيث تم استخدام الحيوانات كسلاح للإبادة الجماعية ضد الشعوب الأصلية. هذه القصة المروعة تكشف كيف نجحت الحكومة الأمريكية في تحويل نفسها من جلاد إلى منقذ، مستخدمة التصوير الفوتوغرافي والدعاية لإعادة كتابة التاريخ.
الصورة التي غيرت التاريخ الأمريكي
في عام 1894، التقطت صورة تاريخية في منتزه يلوستون الوطني تظهر أربعة جنود من سلاح الفرسان الأمريكي يقفون بفخر بجانب ثمانية رؤوس مقطوعة من حيوانات البيسون. هذه الصورة التي تم الترويج لها كرمز لحماية الحياة البرية، تخفي في الحقيقة واحدة من أعظم جرائم إبادة البيسون الأمريكي في التاريخ.
كانت الصورة تهدف لتصوير الجنود كأبطال يدافعون عن حيوان مهدد بالانقراض، بعد القبض على صياد غير شرعي يدعى إد هاول. لكن الحقيقة المرة هي أن نفس الحكومة الأمريكية التي أرسلت هؤلاء الجنود كانت هي المسؤولة الأولى عن إبادة البيسون الأمريكي وتدمير حياة الشعوب الأصلية.
من الملايين إلى المئات: مأساة الإبادة الممنهجة
قبل عام 1800، كان البيسون الأمريكي ينتشر في مساحات شاسعة من أمريكا الشمالية، حيث كانت أعداده تقدر بعشرات الملايين. كانت هذه الحيوانات تغطي السهول الكبرى من كندا حتى المكسيك، مشكلة أحد أكبر تجمعات الثدييات البرية في العالم.
بحلول عام 1870، انخفضت الأعداد بشكل كارثي، حيث تبقى قطيعان كبيران فقط. وفي عام 1889، وصل عدد البيسون الأمريكي إلى بضع مئات فقط، بعد أن كان يقدر بستين مليون حيوان في بداية القرن التاسع عشر. هذا الانخفاض المروع في إبادة البيسون الأمريكي لم يكن حادثاً عرضياً، بل كان جزءاً من خطة ممنهجة ومتعمدة.
البيسون: روح الشعوب الأصلية
لفهم حجم الكارثة، يجب أن ندرك أهمية البيسون للشعوب الأصلية في السهول الكبرى. كما تؤكد الدكتورة دينا جيليو-ويتاكر، المحاضرة في الدراسات الهندية الأمريكية: “لا يمكن المبالغة في أهمية البيسون لشعوب السهول الشمالية والجنوبية”.
كان البيسون يوفر كل شيء لهذه الشعوب، فمن جلوده كانوا يبنون مساكنهم ويصنعون البطانيات للدفء، ومن عظامه كانوا يصنعون الأدوات، وأهم من ذلك كله، كان لحم البيسون المصدر الغذائي الأساسي لشعوب السهول الكبرى. كان البيسون محور هذه الثقافات لمئات السنين، يوفر كل متطلبات الحياة اليومية.
القدر الواضح: أيديولوجية الإبادة
إبادة البيسون الأمريكي كانت جزءاً لا يتجزأ من عقيدة “القدر الواضح” (Manifest Destiny)، الاعتقاد الثقافي الذي تبناه المستوطنون البيض بأنهم مقدر لهم التوسع غرباً عبر القارة، وقهر الأراضي وتطويرها.
تم تصوير هذه العقيدة بشكل مشهور في لوحة “التقدم الأمريكي” عام 1872، التي تظهر توسع السكك الحديدية وتدفق المستوطنين غرباً، بينما يهرب سكان الأرض الأصليون، بما في ذلك البيسون، إلى الظلام. هذه الصور تصور تحول الأرض كعملية طبيعية، بدلاً من الواقع الوحشي للإزالة القسرية للشعوب الأصلية.
الإبادة كاستراتيجية عسكرية
الدليل الأوضح على إبادة البيسون الأمريكي المتعمدة يظهر في تصريحات المسؤولين العسكريين الأمريكيين في ذلك الوقت. قال الجنرال فيليب شيريدان صراحة إن القضاء على البيسون هو الطريقة الأمثل لإخضاع الشعوب الأصلية.
وفي رسالة إلى شيريدان، اقترح زميله الجنرال ويليام تيكومسيه شيرمان طريقة لتحقيق ذلك: “سيكون من الحكمة دعوة جميع الصيادين من إنجلترا وأمريكا لصيد كبير للبيسون، والقيام بمسح شامل لهم جميعاً”.
وهذا بالضبط ما حدث طوال بقية القرن التاسع عشر، حيث تم صيد البيسون بشكل مفرط للترفيه والمنافسة، سواء من قبل سلاح الفرسان الأمريكي أو الصيادين الهواة.
الصيد من القطارات: رياضة أمريكية
كانت أطراف صيد البيسون تطلق النار على القطعان من القطارات المارة، فيما كان يسمى “رياضة أمريكية بامتياز”. كما تم قتل البيسون للربح التجاري، لتلبية الطلب الهائل على جلودهم وعظامهم في المدن الشرقية.
كان هؤلاء الصيادون يقتلون البيسون بالعشرات من أجل جلودهم فقط، تاركين الجثث لتتعفن. هذا المستوى من إبادة البيسون الأمريكي أدى إلى نتيجة واحدة: بحلول نهاية القرن التاسع عشر، لم يتبق تقريباً أي بيسون.
من الجلاد إلى الحامي: خدعة تاريخية
بمجرد أن تم إخضاع الشعوب الأصلية وحبسهم في محميات، خصصت الحكومة بعض الأراضي المطهرة لإنشاء منتزه وطني، وتم إنشاء يلوستون عام 1872. كما تقول الدكتورة جيليو-ويتاكر: “جميع هذه المنتزهات مبنية على اختفاء الشعوب الأصلية. الهدف هو الحفاظ عليها وجعلها وجهات لمستوطنين بيض أثرياء”.
نفس الحكومة الأمريكية التي دفعت الحيوان إلى شفا الانقراض، وضعت نفسها الآن كحامية للأنواع المهددة بالانقراض. والجيش الأمريكي الذي احتل يلوستون في سنواته الأولى، كان يقوم بدوريات في المنتزه بحثاً عن صيادي البيسون.
القبض على إد هاول: صناعة البطولة
هنا تأتي الصورة الشهيرة التي التقطها فرانك جاي هاينز، المصور الرسمي ليلوستون في ذلك الوقت. صادف هاينز الجنود وهم يحضرون إد هاول للاحتجاز، وصورهم يقفون بجانب رؤوس البيسون التي وجدوها في أكياس معلقة على شجرة.
وضعت قصة القبض الدراماتيكي على هاول قضية الصيد غير القانوني في يلوستون في دائرة الضوء الوطنية. بعد أقل من 60 يوماً، جعل قانون فيدرالي الصيد في المنتزه غير قانوني، مما يمثل بداية تشريعات حماية الحياة البرية في الولايات المتحدة.
التلاعب الإعلامي والدعاية المزيفة
ما يجعل هذه القصة أكثر إثارة للدهشة هو التلاعب الإعلامي الذي رافق إبادة البيسون الأمريكي وما بعدها. في المقال الأولي الذي تناول القبض على إد هاول، والذي نُشر في مجلة Forest and Stream عام 1894، استخدموا ثلاث صور تظهر مجموعات من البيسون المذبوح، كل واحدة معنونة بـ “عمل الجزار”.
المفارقة أن هذه الصور لم تكن لبيسون قتله هاول في يلوستون، بل كانت صوراً نُشرت قبل سبع سنوات في مسح سميثسونيان عام 1887 بعنوان “إبادة البيسون الأمريكي” لويليام هورناداي. كانت هذه محاولة واضحة لتضخيم الرواية الدعائية وتصوير الحكومة كمنقذة.
الإرث والدروس المستفادة
اليوم، لم يعد البيسون الأمريكي مهدداً بالانقراض، ويصف موقع يلوستون الإلكتروني الصورة بأنها “أنقذت البيسون في يلوستون”. لكن تنسيق هذه الصورة يديم أيضاً فكرة القدر الواضح، فهي تصور عملاء الحكومة الأمريكية كحماة فاضلين للبيئة، متجاهلين دورهم في تدميرها.
كما تقول الدكتورة جيليو-ويتاكر: “لا يوجد تمثيل أفضل لهذه القصة الرومانسية للغاية عما هي أمريكا. إنها ليست حقيقة العنف الهائل لهذه العملية التاريخية تجاه الشعوب الأصلية وتجاه الأنواع الأخرى”.
الخلاصة: التاريخ الذي نحتاج لمواجهته
قصة إبادة البيسون الأمريكي تعلمنا درساً مهماً عن كيفية كتابة التاريخ وإعادة تشكيله. الصور والروايات الرسمية غالباً ما تخفي حقائق مظلمة، وتحول الجناة إلى أبطال من خلال التصوير الفوتوغرافي المنسق والذاكرة الانتقائية.
فهم إبادة البيسون الأمريكي الحقيقية يتطلب منا النظر إلى ما وراء الصور الدعائية والاعتراف بالعنف الممنهج الذي مارسته الحكومة الأمريكية ضد الشعوب الأصلية والبيئة. فقط من خلال مواجهة هذا التاريخ المظلم يمكننا فهم الحاضر وبناء مستقبل أكثر عدالة.
الروابط الخارجية المقترحة:
- Smithsonian National Museum of Natural History – للمزيد عن تاريخ البيسون الأمريكي https://www.si.edu/
- National Park Service – Yellowstone – معلومات رسمية عن المنتزه وتاريخه https://www.nps.gov/yell/index.htm
- Native American Rights Fund – منظمة تدافع عن حقوق الشعوب الأصلية https://www.narf.org/
- American Museum of Natural History – مصادر علمية عن الحياة البرية الأمريكية https://www.amnh.org/
- Library of Congress – American Memory Project – أرشيف تاريخي للصور والوثائق https://www.loc.gov/



