تحليلات

انقلاب إيران 1953: كيف أطاحت CIA بمصدق وغيرت الشرق الأوسط للأبد

انقلاب إيران 1953 (عملية أجاكس) يعتبر من أكثر الأحداث تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، حيث كشفت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) عام 2017 عن وثائق سرية ظلت مخفية لأكثر من 64 عاماً، تروي تفاصيل عملية أجاكس التي أطاحت بأول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في إيران. انقلاب إيران 1953 لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل كان نقطة تحول غيرت وجه المنطقة بأكملها وزرعت بذور الثورة الإيرانية عام 1979.

لماذا ظل انقلاب إيران 1953 سراً لعقود؟

لأكثر من ستة عقود، حاولت الولايات المتحدة وبريطانيا إخفاء الحقيقة الكاملة حول انقلاب إيران 1953. معظم كتب التاريخ إما تذكر الحدث بشكل مقتضب أو تتجاهله تماماً، رغم أن عواقبه لا تزال تشكل السياسة الخارجية الغربية والتحالفات في الشرق الأوسط حتى يومنا هذا. فلماذا تم التعتيم على حدث بهذه الأهمية؟

الإجابة بسيطة: لأن انقلاب إيران 1953 كان عملية سرية نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز المخابرات البريطاني MI6 للإطاحة بحكومة منتخبة ديمقراطياً، وهو ما يتعارض تماماً مع القيم الديمقراطية التي تدعي الدول الغربية الدفاع عنها. في عام 2017، قررت CIA أخيراً رفع السرية عن الوثائق، كاشفة عن تفاصيل مروعة لما حدث حقاً في إيران خلال شهر أغسطس 1953.

الخلفية التاريخية: صراع النفط في إيران

لفهم انقلاب إيران 1953، علينا العودة إلى عام 1950. في ذلك الوقت، كانت بريطانيا تسيطر على أكبر مصفاة نفط في العالم – شركة النفط الأنجلو-إيرانية في مدينة عبادان بغرب إيران. كانت هذه المصفاة تعالج سنوياً 25 مليون طن من النفط الخام، وكانت ذات أهمية استراتيجية كبيرة للحكومة البريطانية.

منذ عام 1911، تحول الأسطول البحري البريطاني من الفحم إلى البترول تحت قيادة وزير البحرية آنذاك، ونستون تشرشل. لذلك، كان النفط الإيراني بمثابة شريان الحياة للقوة البحرية البريطانية. لكن بينما كانت بريطانيا تستفيد بشكل هائل من النفط الإيراني، كان الإيرانيون يعانون من ترتيبات غير عادلة.

الظلم الاقتصادي: بذور انقلاب إيران 1953

مقابل استخراج النفط الإيراني، كانت الحكومة البريطانية تدفع للإيرانيين أقل من 20٪ فقط من الأرباح العالمية. الأسوأ من ذلك، لم يُسمح للحكومة الإيرانية بمراجعة دفاتر الشركة أو المشاركة في إدارتها. كان الإيرانيون يشاهدون ثرواتهم الطبيعية تُستنزف دون الحصول على نصيب عادل.

في أواخر ديسمبر 1950، وصلت أنباء إلى طهران بأن الأمريكيين توصلوا إلى اتفاق مع السعوديين يقضي بتقاسم أرباح شركة النفط العربية الأمريكية (أرامكو) بنسبة 50-50. عندما طلب الإيرانيون اتفاقاً مماثلاً، رفضه مكتب الخارجية البريطاني. هذا الرفض زاد من الاضطرابات في إيران ومهد الطريق لأحداث انقلاب إيران 1953.

محمد مصدق: البطل القومي الذي استهدفه انقلاب إيران 1953

في 1 أبريل 1951، أصبح الدكتور محمد مصدق أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً في إيران. وُلد مصدق عام 1882 من عائلة مرموقة – والده كان وزير مالية إيران ووالدته أميرة من سلالة قاجار. أصبح مصدق أول إيراني يحصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة غربية، وكان يُوصف بأنه رجل نزيه لا يخشى الوقوف أمام السلطة.

تأميم النفط: الشرارة التي أشعلت انقلاب إيران 1953

في 1 مايو 1951، اتخذ مصدق قراراً تاريخياً بتأميم شركة النفط الأنجلو-إيرانية. كان هذا القرار استجابة لمطالب الشعب الإيراني لسنوات طويلة. كانت ردة فعل البريطانيين غاضبة للغاية – شعروا أن مصدق سرق “نفطهم”، رغم أنه كان موجوداً تحت الأراضي الإيرانية.

ما أقلق بريطانيا حقاً لم يكن فقط خسارة النفط، بل الإشارة التي أرسلها هذا القرار إلى دول الشرق الأوسط الأخرى التي كانت لديها ترتيبات استعمارية مماثلة، مثل مصر وقناة السويس. كان من الواضح أن بريطانيا لن تقبل بهذا الوضع، وبدأ التخطيط لما سيصبح انقلاب إيران 1953.

المحاولات البريطانية الفاشلة قبل انقلاب إيران 1953

ناقشت بريطانيا إمكانية السيطرة على مصفاة النفط من خلال عملية بحرية عسكرية، لكن الأمريكيين في عهد الرئيس ترومان لم يدعموا هذه الفكرة. عرضت الولايات المتحدة التفاوض مع مصدق نيابة عن البريطانيين، لكن الطرفين لم يتمكنا من التوصل إلى اتفاق.

بعد فشل المفاوضات، أغلق البريطانيون المصفاة وأجلوا جميع الموظفين البريطانيين. بل تم تخريب المصفاة لمنع الإيرانيين من تشغيلها بأنفسهم. دون الضوء الأخضر الأمريكي لعملية عسكرية، قررت الحكومة البريطانية رفع قضيتها إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية في لاهاي.

مصدق ينتصر قانونياً لكن انقلاب إيران 1953 كان يُحاك في الخفاء

جاء الحكمان لصالح إيران، مما جعل مصدق بطلاً قومياً. في تلك السنة، اختارته مجلة التايم كشخصية العام، متفوقاً على ونستون تشرشل نفسه. لكن هذه الانتصارات القانونية دفعت بريطانيا إلى تصعيد الأمور.

فرضت بريطانيا حظراً نفطياً شاملاً، يمنع أي دولة من شراء النفط الإيراني. دمر هذا الحصار الاقتصاد الإيراني. كانت بريطانيا تأمل أن يؤدي هذا إلى غضب الشعب الإيراني ضد مصدق، لكن ذلك لم يحدث. الشعب الإيراني ظل وراء قائده المنتخب، مما دفع بريطانيا للتفكير في خطة أكثر جذرية: انقلاب إيران 1953.

الحرب الباردة ودورها في انقلاب إيران 1953

كانت الخمسينيات بداية الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. كان هناك حزب شيوعي في إيران يُسمى حزب توده. مصدق، رغم أنه لم يكن شيوعياً، كان يتسامح مع حزب توده، معتقداً أنه في الديمقراطية التعددية، للناس الحق في التنظيم.

تغيير الموقف الأمريكي: الضوء الأخضر لانقلاب إيران 1953

خلال فترة الرئيس ترومان، كانت الولايات المتحدة مترددة في التدخل. كان لدى ترومان ومصدق علاقة شخصية جيدة، وشعرت إدارة ترومان أن رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً يعكس القيم الأمريكية.

لكن كل شيء تغير عندما تم انتخاب دوايت أيزنهاور رئيساً للولايات المتحدة في يناير 1953. تم ترتيب اجتماع بين أيزنهاور وتشرشل لمناقشة قضية إيران. أدرك البريطانيون أن الأمريكيين لا يهتمون حقاً بخسارة بريطانيا لحقول النفط، لذلك غيروا استراتيجيتهم.

بدأ البريطانيون يصورون مصدق على أنه شيوعي وتهديد للمصالح الغربية. وبما أن الولايات المتحدة كانت تحارب الشيوعية في جميع أنحاء العالم، نجحت هذه الاستراتيجية. حصل البريطانيون على الضوء الأخضر الأمريكي لتنفيذ انقلاب إيران 1953.

عملية أجاكس: التخطيط لانقلاب إيران 1953

في ربيع عام 1953، تم اختطاف واغتيال محمد أفشرتوس، رئيس شرطة طهران والمخلص لمصدق، بتوجيه من عميل MI6 نورمان داربيشاير. تم إلقاء جثته علناً لإرسال رسالة للشعب الإيراني بأن مصدق لا يستطيع حتى حماية رئيس شرطته.

في 11 يوليو 1953، تمت الموافقة على المخطط النهائي لانقلاب إيران 1953 من قبل الرئيس أيزنهاور ورئيس الوزراء تشرشل. أُطلق على العملية اسم “عملية أجاكس” (Operation Ajax).

كيرميت روزفلت: العقل المدبر لانقلاب إيران 1953

دخل كيرميت روزفلت، عميل وكالة المخابرات المركزية وحفيد الرئيس ثيودور روزفلت، إلى إيران عبر العراق حاملاً حقائب مليئة بالنقود. بدأ روزفلت حملة دعائية ضخمة، حيث اشترى الصحفيين ومحرري الصحف لطباعة قصص مناهضة لمصدق، مدعياً أنه شيوعي.

ذهب السفيران البريطاني والأمريكي إلى الشاه محمد رضا بهلوي لطلب دعمه لانقلاب إيران 1953، لكن الشاه رفض في البداية. فذهبوا إلى أخته التوأم أشرف ورشوها لإقناع الشاه. طارت أشرف إلى طهران لتسليم رسالة من البريطانيين والأمريكيين – كانت الرسالة تطلب من الشاه حل البرلمان وتعيين رئيس وزراء جديد من اختيار بريطانيا.

انقلاب إيران 1953: المحاولة الأولى الفاشلة

في منتصف ليل 16 أغسطس 1953، أرسل الجيش دبابات وضباطاً إلى منزل رئيس الوزراء. لكن مصدق كان مستعداً – فقد سرب ضابط صغير في الحرس الملكي خطط الانقلاب إليه.

بمجرد أن قدم الحرس الملكي الرسالة من الشاه، تم اعتقالهم من قبل حراس مصدق. فشل انقلاب إيران 1953 في محاولته الأولى بشكل مروع، وفر الشاه إلى روما. هتف الناس فرحاً برحيل الشاه. قبلت الولايات المتحدة النتيجة وطلبت إيقاف عملية أجاكس.

المحاولة الثانية: نجاح انقلاب إيران 1953

كان كيرميت روزفلت مستعداً للمغادرة، لكن نورمان داربيشاير من MI6 أقنعه بعدم الاستسلام. دفع داربيشاير للمرتزقة للتظاهر بأنهم من أنصار مصدق والشيوعيين من حزب توده.

بدأ هؤلاء المرتزقة في إثارة الشغب في الشوارع، وإسقاط تماثيل الشاه، والتظاهر كأنصار للدكتور مصدق المسن. تم استخدام هذا للتلاعب بالرواية في جميع أنحاء العالم بأن مصدق هو من قام بانقلاب ضد الشاه، وليس العكس.

في صباح 19 أغسطس 1953، خرج نفس الحشد المرتزق الممول من CIA وMI6 إلى الشوارع مرة أخرى، لكن هذه المرة أظهروا مشاعر مؤيدة للشاه. بدأوا في تدمير المحلات التجارية، وحرق المكاتب، ومهاجمة أنصار مصدق، وهم يهتفون: “الموت لمصدق، عاش الشاه”.

سقوط مصدق: انقلاب إيران 1953 ينجح

في الساعة 4:30 مساءً يوم 19 أغسطس 1953، هاجمت 28 دبابة منزل مصدق. طلب مصدق من جميع وزرائه مغادرة منزله لأنه أراد أن يموت هناك وحده، لكن الوزراء أصروا على أن يغادر معهم أو سيبقون جميعاً ويموتون معه. وافق مصدق وغادر.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، تم تنصيب الجنرال فضل الله زاهدي رئيساً للوزراء بأوامر من الشاه. نجح انقلاب إيران 1953 أخيراً. عاد الشاه إلى إيران في 22 أغسطس 1953 بمساعدة أمريكية قدرها 45 مليون دولار.

عواقب انقلاب إيران 1953: تغيير وجه الشرق الأوسط

بدعم من الجنرال زاهدي، الرجل القوي الذي هندس عودته إلى السلطة، حيّد الشاه المعارضة. تمت إدانة مصدق بتهمة الخيانة ونُقل من السجن العسكري إلى الإقامة الجبرية في أحمد آباد بإيران. قضى مصدق بقية حياته في عزلة تامة.

تم إعدام جميع الضباط المرتبطين بحزب توده. تمت إعادة تسمية شركة النفط الأنجلو-إيرانية إلى BP، وأُجبرت إيران على مشاركة نفطها مع العديد من شركات النفط الأوروبية والأمريكية الأخرى.

البذور الحقيقية لثورة 1979

الحقيقة هي أن بذور الثورة الإيرانية عام 1979 زُرعت في عام 1953. خيانة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للديمقراطية الإيرانية قطعت الثقة بين إيران والغرب إلى الأبد. في عام 1979، فر الشاه من البلاد مرة أخرى وللمرة الأخيرة.

عندما رفضت الحكومة الأمريكية ترحيل الشاه إلى إيران (كان يتلقى علاجاً طبياً للسرطان في الولايات المتحدة)، اقتحم الطلاب الإيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 52 أمريكياً كرهائن لمدة 444 يوماً. كان انقلاب إيران 1953 هو السبب الجذري لهذه الأزمة.

إرث انقلاب إيران 1953: دروس للتاريخ

في 5 مارس 1967، توفي الدكتور محمد مصدق بسبب مضاعفات السرطان. دُفن سراً في غرفة المعيشة في منزله بأحمد آباد. حسب معظم الروايات، كان مصدق قائداً حقيقياً للأمة، مثقفاً، وواحداً من أكثر الشخصيات المرموقة في التاريخ الإيراني الحديث.

كان قائداً آمن بأن النفط الإيراني يجب أن يكون للشعب الإيراني، لكنه أُطيح به في النهاية من قبل قوى كانت مصالحها لا تكمن في إرادة الشعب الإيراني، بل في موارد وثروات إيران.

الأسئلة التي لا تزال بلا إجابة

يظل انقلاب إيران 1953 تذكيراً قوياً بعواقب التدخل الأجنبي. إنه حدث يشكل ليس فقط تاريخ الشعب الإيراني، بل السياسة الخارجية الغربية والتحالفات في الشرق الأوسط حتى يومنا هذا.

ماذا لو لم تطح الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بأول زعيم منتخب ديمقراطياً في إيران؟ هل كانت ستحدث ثورة 1979؟ هل كان سيتم احتجاز الأمريكيين كرهائن؟ هل كان جيمي كارتر سيفوز بولاية ثانية؟ أين ستكون إيران اليوم؟ وكيف كان سيبدو الشرق الأوسط؟

ربما لن نعرف أبدًا الإجابات على هذه الأسئلة. لكن دراسة انقلاب إيران 1953 والوثائق التي رفعت عنها السرية عام 2017 تساعدنا على فهم أفضل للتحديات الحالية في المنطقة، وأهمية احترام سيادة الدول والاختيارات الديمقراطية للشعوب.

إن قصة محمد مصدق وعملية أجاكس هي درس تاريخي لا يُنسى عن ثمن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وكيف أن القرارات المتخذة من أجل مصالح قصيرة المدى يمكن أن تؤدي إلى عواقب كارثية تدوم لعقود.

روابط خارجية

  1. CIA Official Documents: https://www.cia.gov/readingroom/collection/crest-25-year-program-archive
  2. National Security Archive – Iran Documentation: https://nsarchive.gwu.edu/briefing-book/iran/2017-08-19/cia-confirms-role-1953-iran-coup
  3. BBC Persian – Historical Archives: https://www.bbc.com/persian/iran-features-40635187
  4. Council on Foreign Relations – US-Iran Relations: https://www.cfr.org/timeline/us-relations-iran-1953-2021
  5. The Guardian – Operation Ajax Declassified: https://www.theguardian.com/world/2013/aug/19/cia-admits-role-1953-iranian-coup

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى