تحليلات

سبتة ومليلية سبب بقائهما إسبانيتين رغم وجودهما على الأراضي المغربية؟

سبتة ومليلية سبب بقائهما إسبانيتين يُعدّ من أكثر الأسئلة إثارةً في الجغرافيا السياسية المعاصرة. فعلى الرغم من أن هاتين المدينتين تقعان جغرافيًا على التراب المغربي، إلا أنهما تخفقان بالعلم الإسباني، وتعملان بالعملة الأوروبية اليورو، وتخضعان للقانون الإسباني والأوروبي بالكامل. كيف وصلنا إلى هذا الوضع الغريب؟ والإجابة تكمن في قرون متراكمة من التاريخ، والتوسع الاستعماري، والتحولات الجيوسياسية التي شكّلت منطقة البحر الأبيض المتوسط كما نعرفها اليوم.

الموقع الجغرافي: نقطة التقاء القارتين

يقع مضيق جبل طارق عند أضيق نقطة بين أوروبا وأفريقيا، بعرض لا يتجاوز 15 كيلومترًا. وعلى الجانب الأفريقي من هذا المضيق توجد مدينة سبتة (Ceuta)، التي تحتل مساحة لا تتعدى 18 كيلومترًا مربعًا، بينما تقع مليلية (Melilla) على الساحل المتوسطي الشمالي للمغرب بمساحة 12 كيلومترًا مربعًا فحسب. وكلتا المدينتين تُشكّلان ما تسميه إسبانيا رسميًا “أماكن السيادة” (Plazas de Soberanía)، أي المناطق الخاضعة بالكامل للسيادة الإسبانية، وبالتبعية للسيادة الأوروبية، خارج أراضي شبه الجزيرة الأيبيرية.

هذا الموقع الاستراتيجي الفريد جعل من المنطقة محطّ أطماع الحضارات المتعاقبة منذ آلاف السنين. فقد عرف الفينيقيون قبل نحو 2700 سنة قيمة هذا الموقع، ثم جاء الرومان، ثم القوط الغربيون، قبل أن يُصبح المنطقة مسرحًا لتحولات كبرى في العصور الوسطى.

الفتح الإسلامي والاسترداد المسيحي: الخلفية التاريخية

في عام 711م، كانت سبتة بمثابة نقطة الانطلاق التي عبر منها المسلمون بقيادة طارق بن زياد إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، مُسقطين الحكم القوطي الغربي في غضون سنوات قليلة. وقد ظلّت شبه الجزيرة الأيبيرية تحت الحكم الإسلامي جزئيًا أو كليًا قرابة ثمانية قرون، في ظل خلافات ودويلات متعاقبة.

بدأت ممالك الشمال المسيحية تتوسع جنوبًا في ما عُرف تاريخيًا بـ”الاسترداد” أو الريكونكيستا (Reconquista). وقد استغرقت هذه العملية قرونًا طويلة، إذ لم تكن ممالك الشمال موحّدة في كثير من الأحيان، تمامًا كما لم تكن الطوائف الإسلامية متحدة. حتى جاء عام 1492م حيث سقطت غرناطة، آخر المعاقل الإسلامية في الأندلس، في يد الملكين الكاثوليكيين إيزابيلا وفرديناند. وبذلك أُسدل الستار رسميًا على الوجود الإسلامي المنظّم في الأندلس.

سبتة: من البرتغال إلى إسبانيا

سبتة ومليلية سبب بقائهما إسبانيتين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمسار تاريخي بدأ مع البرتغال لا إسبانيا. ففي عام 1415م، وبعد إتمام البرتغال لاستردادها الداخلي، سيّرت الأسطول نحو سبتة وحاصرتها، مستغلّةً ضعف المدافعين من سلطنة المرينيين (دولة أمازيغية حكمت المغرب آنذاك). وسقطت المدينة بسرعة لافتة، لتصبح أولى المستعمرات البرتغالية في أفريقيا، وبوابةً لمشاريع التوسع البرتغالي على طول الساحل الأفريقي.

غير أن الموقع الجغرافي لسبتة — المقابل مباشرةً لشبه الجزيرة الأيبيرية الإسبانية — جعل الإسبان يتوافدون إليها تدريجيًا. وفي عام 1580م، نشأ الاتحاد الأيبيري حين أصبح ملك إسبانيا حاكمًا على البرتغال أيضًا، فأمست مستعمرات البرتغال كلها تحت إدارة إسبانية. وحين استعادت البرتغال استقلالها عام 1640م، اختارت سبتة ذات الأغلبية الإسبانية آنذاك أن تبقى ضمن إسبانيا، وتم تكريس ذلك رسميًا عام 1668م.

أما شعار سبتة فيحمل إلى يومنا هذا خلفية علم لشبونة، في دلالة رمزية على أصولها البرتغالية.

مليلية: المستعمرة الإسبانية الأولى في أفريقيا

بينما كانت سبتة برتغالية الأصل، فإن مليلية كانت أولى الفتوحات الإسبانية المباشرة على القارة الأفريقية، إذ استولت عليها قشتالة عام 1497م، أي بعد خمس سنوات فحسب من سقوط غرناطة. ثم واصلت إسبانيا توسعها في شمال أفريقيا، فاحتلت مرسى الكبير عام 1505م، ووهران عام 1509م، وبجاية عام 1510م، قبل أن تتراجع أمام المقاومة الجزائرية لاحقًا.

اليوم تحتوي مليلية أيضًا على مطار يربطها مباشرةً بإسبانيا، وتعيش فيها أقلية مسلمة كبيرة تُقدَّر بنصف إجمالي سكانها البالغ نحو 87,000 نسمة.

الحماية الإسبانية على المغرب وتداعياتها

في القرن التاسع عشر وبداية العشرين، دخلت القوى الأوروبية في سباق محموم للسيطرة على أفريقيا. وفي عام 1884م، أسست إسبانيا مستعمرة “ريو دي أورو” جنوب المغرب. ثم في عام 1912م، اتفقت فرنسا وإسبانيا على تقسيم النفوذ في المغرب: فرنسا تأخذ المعظم، وإسبانيا تحتفظ بالشمال والجنوب. هذا التقسيم جعل سبتة ومليلية جزءًا من منطقة النفوذ الإسباني الشمالية.

وحين حصل المغرب على استقلاله عام 1956م، استرجع منطقة الحماية الشمالية الإسبانية وطنجة الدولية. إلا أن إسبانيا رفضت قطعيًا التخلي عن سبتة ومليلية، محتجّةً بأن هاتين المدينتين كانتا إسبانيتين قبل أي احتلال استعماري في المغرب بعدة قرون.

الوضع الراهن: مدينتان أوروبيتان في قلب أفريقيا

منذ عام 1995م، تتمتع سبتة ومليلية بوضع “المدينة المستقلة” (Ciudad Autónoma) في النظام الإسباني، مما يمنحهما صلاحيات شبيهة بالمجتمعات المستقلة الإسبانية. وهما بذلك تمثّلان البقعتين الوحيدتين من الاتحاد الأوروبي الواقعتين على الأراضي الأفريقية.

يبلغ عدد سكان سبتة نحو 84,000 نسمة، بينما يصل سكان مليلية إلى 87,000. وفي كلتا المدينتين يتزايد نسبيًا وجود السكان ذوي الأصول المغربية، في حين تشيخ الفئة ذات الأصول الإسبانية الأوروبية. وتواجه المدينتان تحدياتٍ اقتصادية حادة، إذ يعتمد اقتصادهما اعتمادًا شبه كلي على الخدمات العامة والتحويلات المالية من الحكومة الإسبانية.

الجدار الحدودي وأزمات الهجرة

من أبرز المعالم المرئية لهذه الوضعية الاستثنائية: الجدران الحدودية الضخمة المزودة بالأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة، التي تفصل المدينتين عن المغرب. وقد بُنيت نسخها الأولى في السبعينيات، ثم جُدّدت وعُززت بدعم أوروبي في مطلع الألفية الثالثة.

شهدت المنطقة أزمات إنسانية متعددة: ففي سبتمبر 2005م وقعت أحداث أليمة حين أُطلقت النار على مهاجرين يحاولون اقتحام الجدار. وفي 2014م وقعت مأساة طارفاي. والأشد خطورةً كانت أزمة 2021م، حين سمح المغرب لآلاف المهاجرين بالعبور نحو سبتة ردًا على استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. هذه الأزمة كشفت كيف باتت الهجرة ورقةَ ضغط جيوسياسية في العلاقات الإسبانية-المغربية.


الموقف المغربي ومعضلة السيادة

يعتبر المغرب رسميًا أن سبتة ومليلية أراضٍ محتلة، وأن بقاءهما في يد إسبانيا هو آخر مظاهر الاستعمار الأوروبي على القارة الأفريقية. وقد أجرى المغرب في 2002م محاولة استفزازية بإرسال ستة جنود لاحتلال جزيرة ليلى (Persil/Perejil) الصغيرة المتنازع عليها قرب سبتة، فردّت إسبانيا بتدخل عسكري سريع أعاد الوضع كما كان دون إراقة دماء.

في المقابل، يرى الإسبان أن المقارنة الأدق هي بمستعمرة جبل طارق البريطانية على الجانب الآخر من المضيق: فكما ترفض بريطانيا التخلي عن جبل طارق رغم المطالب الإسبانية المتكررة، ترفض إسبانيا هي الأخرى التخلي عن سبتة ومليلية رغم المطالب المغربية. والأهم من ذلك: أن سكان المدينتين يرفضون بأغلبية ساحقة أي انتقال للسيادة المغربية.


خلاصة: تاريخ لا يمحوه الجغرافيا

سبتة ومليلية سبب بقائهما إسبانيتين يتلخص في معادلة بسيطة: تاريخ سياسي وسكاني متجذّر على مدى قرون، سبق بكثير مرحلة الاستعمار الأوروبي للمغرب. فقبل أن تُرسم خرائط الاستعمار الحديث، كانت سبتة إسبانية منذ 1640م، ومليلية منذ 1497م. وهذا الواقع التاريخي، مقرونًا برغبة السكان في البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، يجعل أي حسم قريب لهذا الملف مستبعدًا. وتبقى سبتة ومليلية، بكل تناقضاتهما وتعقيداتهما، نموذجًا فريدًا لأثر التاريخ في رسم الحدود المعاصرة.

روابط خارجية مفيدة:

  1. Wikipedia AR – سبتة : https://ar.wikipedia.org/wiki/سبتة
  2. Wikipedia AR – مليلية : https://ar.wikipedia.org/wiki/مليلية
  3. Wikipedia AR – الريكونكيستا : https://ar.wikipedia.org/wiki/الاسترداد
  4. Al Jazeera – أزمة 2021 : https://www.aljazeera.net/news/2021/5/18/المغرب-وإسبانيا-أزمة-سبتة
  5. Wikipedia AR – مضيق جبل طارق : https://ar.wikipedia.org/wiki/مضيق_جبل_طارق
  6. UN Decolonization Committee : https://www.un.org/dppa/decolonization/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى